السيد كمال الحيدري

427

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

أليس الله ( جلّت قدرته وتعالى مجده ) قادراً على تدبير العالم من غير حاجة إلى « المدبّرات أمراً » التي يشير إليها في سياق قوله سبحانه : وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً * وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطاً * وَالسَّابِحَاتِ سَبْحاً * فَالسَّابِقَاتِ سَبْقاً * فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً « 1 » ؟ بالتأكيد إنّه قادر على ذلك دونما حاجة إلى خلق « المدبّرات أمراً » وإيكال التدبير إليها على ما مرَّ تفصيله في بحث التوحيد الربوبي . تماماً كما أنّه قادر أيضاً على توفّى النفوس وهو القائل ( جلّ اسمه وتباركت أسماؤه ) : اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا « 2 » ، بيدَ أنّه عهد بذلك إلى رسله وملائكة مختصّة بالأمر ، كما يومئ إليه قوله سبحانه : تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا « 3 » وقوله عزّ وجلّ : قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِى وُكِّلَ بِكُمْ « 4 » . لا ريب أنّ الله سبحانه قادر على جميع هذه الأمور . ومن ثمّ فإيكالها إلى موجودات أخر خلقها لهذا الغرض لا ينافي قدرته ( جلّ وعلا ) على هذه الأفعال . بتعبير آخر ليس هناك تنافٍ بين قدرة الله على فعل وبين أن يجعل له مظهراً وآية وواسطة ينجز الفعل من خلالها ، فكلّ من نسب إليه القرآن أمراً من الخلق والتدبير والغنى والعزّة والإحياء والإماتة وما شابه إنّما هم مظاهر وتجلّيات وآيات لخالقية الله ( جلّ وعلا ) وتدبيره وآمريته وولايته ، من دون أن يكون لهذه الموجودات ولاية أو عزّة أو قوّة أو إحياء أو إماتة في عرض ولاية الله وعزّته وقوّته أو في طولها ، لما يؤدّى إليه الأوّل من الشرك الجلى ، والثاني من الشرك الخفي . هذا من حيث النقض والجواب الجدلي . أمّا من جهة الجواب الحلى التأسيسى ، فقد مرَّ في بحث النظام الأحسن أنّ الحكمة الأزلية لله سبحانه اقتضت أن تتمّ إدارة العالم وتدبير الوجود والكون

--> ( 1 ) النازعات : 5 1 . ( 2 ) الزمر : 42 . ( 3 ) الأنعام : 61 . ( 4 ) السجدة : 11 .